ابن أبي الحديد

103

شرح نهج البلاغة

أما بعد يا أهل الكوفة ، فإن لكم في الاسلام فضلا ما لم تبدلوا وتغيروا ، دعوتكم إلى الحق فأجبتم ، وبدأتم بالمنكر فغيرتم ، ألا إن فضلكم فيما بينكم وبين الله ، فأما في الاحكام والقسم فأنتم أسوة غيركم ممن أجابكم ، ودخل فيما دخلتم فيه . ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى ، وطول الامل ، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الامل فينسى الآخرة ، ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة ، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ، ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة . اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل ، الحمد لله الذي نصر وليه ، وخذل عدوه ، وأعز الصادق المحق ، وأذل الناكث المبطل . عليكم بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم ، الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه من المستحلين المدعين المقابلين ( 1 ) إلينا ، يتفضلون بفضلنا ، ويجاحدوننا أمرنا ، وينازعوننا حقنا ، ويباعدوننا عنه ، فقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا . ألا إنه قد قعد عن نصرتي رجال منكم ، وأنا عليهم عاتب زار ، فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون ، حتى يعتبوا ( 2 ) ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة . فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي - وكان صاحب شرطته - فقال : والله إني لأرى الهجر وسماع المكروه لهم قليلا ، والله لو أمرتنا لنقتلنهم . فقال علي عليه السلام : سبحان الله يا مال ! جزت المدى ، وعدوت الحد ، فأغرقت ( 3 ) في النزع . فقال : يا أمير المؤمنين ، لبعض الغشم أبلغ في أمر ينوبك من مهادنة الأعادي ، فقال علي عليه السلام : ليس هكذا قضى الله ، يا مال ، قال سبحانه : ( النفس بالنفس ) ( 4 ) فما بال ذكر الغشم !

--> ( 1 ) كذا في ج وصفين ، وفى ا ، ب : ( القائلين إلينا ) . ( 2 ) الأعتاب : إعطاء العتبى ، وهي الرضا ( 3 ) ا ، ج : ( وأغرقت ) . ( 4 ) سورة المائدة 45 .